نِية المُشرِّع التَّاريخية وتحديات الواقع: كيف يَقرأ القاضي عقل المشرع او صانع النص القانوني ؟
المحامي أُسامة عبد الهادي العبيدي
لا يستند القاضي إلى التخمين أو التفسير العشوائي، بل يعتمد على آليات ومنهجيات علمية صارمة تضبط عملية اكتشاف إرادة المشرع التاريخية. تبدأ هذه العملية بالعودة إلى “الأعمال التحضيرية” ومحاضر جلسات اللجان البرلمانية والقانونية التي صاغت القانون؛ إذ توثق هذه السجلات المناقشات، والجدالات، والاعتراضات التي دارت بين المشرعين، مما يكشف للقاضي بوضوح عن “العلة التشريعية” أو السبب المباشر الذي دفعهم لإقرار النص بتركيبته الحرفية تلك. ويوازي ذلك في الأهمية الاستعانة بـ “المذكرة الإيضاحية” أو “الأسباب الموجبة” التي ترفق عادة بالقوانين، وهي وثيقة رسمية يشرح فيها المشرعون أنفسهم الغاية المبتغاة من التشريع وفلسفته العامة وتفسير المفردات الغامضة فيه. يضاف إلى ذلك وجوب دراسة الظروف الزمانية والبيئة المجتمعية السائده وقت ولادة النص، حيث يتعين على القاضي فهم الظروف الاقتصادية والسياسية التي عاصرها المشرع القديم ليدرك لماذا وُضعت هذه القيود أو مُنحت تلك التسهيلات، تزامناً مع إجراء “تفسير لغوي ومعجمي” يعيد الكلمات والمصطلحات إلى معانيها الدلالية الدارجة في العصر الذي كُتبت فيه، نظراً لتبدل معاني الكلمات واستعمالاتها بمرور الزمن. وفي هذا الموضع ينشأ الخلاف الفكري بين الاتجاهات الفقهية؛ إذ يوجب أصحاب المذهب الحرفي المقيد على القاضي التمسك الحرفي والدقيق بالمقصد المأخوذ من تلك الوثائق القديمة وتنفيذه دون أي انحراف عنه بالمقابل دعاة البراغماتية فيرون أن هذه الأوراق مجرد دليل إرشادي فقط، ولا يجوز أن تقيد القاضي إذا كان تطبيق النص القديم حرفياً سيؤدي إلى حكم غير عادل ولا يتماشى مع العصر، مما يفرض عليه تفسير النص بمرونة تحقق مصلحة المجتمع الحالية.