سن الرشد بين النص و اجتهاد القضاء …

2026/07/19

سن الرشد بين النص و اجتهاد القضاء

المحامي محمد عبدالله السعدون
ماجستير قانون خاص


إن الرشد و البلوغ و العقل قد تجتمع في شخص و قد يتخلف بعضها عن البعض الآخر و أن مجرد البلوغ أو الوصول لسن محددة ليس كافياً لها : فقد يكون الانسان بالغا عاقلاً رشيداً، و قد يبلغ و لكنه لم يكن عاقلاً و لا رشيداً كالمجنون و قد يكون عاقلاً بالغاً و ليس برشيد كالسفيه.

تعليق على قرار محكمة التمييز الاتحادية الموقرة / الهيئة الموسعة المدنية رقم 93 / الهيئة الموسعة

2026/3/31 المدنية / 2026 في

أقرت الهيئة الموسعة المدنية الموقرة في محكمة التمييز الاتحادية مبدأ قضائياً جديداً في مسائل الحضانة بخصوص المواطنين المطبق عليهم القانون رقم (1) لسنة 2025 قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 النافذ و الخاص بتطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري و ذلك بمعرض النزاع حول حضانة الابناء و سن البلوغ والاختيار بين الوالدين و (( اعتبار سن الرشد ثمانية عشر سنة كاملة )).

و جاء في القرار المذكور آنفاً ” ترى هذه المحكمة بالرجوع الى القوانين النافذة التي عالجت الموضوع و منها القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 و هو أساس يمكن الرجوع اليه في ضمان تطبيق النصوص التي تحتاج الى تفسير و توضيح.. و بالرجوع الى المادة 106 منه ……. و بذلك تكون محكمة التمييز قد إعتمدت في تحديد (الرشد) على القانون المدني التي نصت عليه المادة المذكورة اعلاه بأن الشخص يكون رشيداً بإكماله ثماني عشر سنة كاملة.

الأمر الذي يطرح الإشكالية التالية: مدى صحة ذهاب الهيئة الموسعة المدنية الموقرة الى تطبيق

نصوص القانون المدني على مسألة من مسائل الاحوال الشخصية ( الحضانة ) .

إبتداءاً يجب القول ان قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم (1) لسنة 2025 الذي اتاح للمواطنين من اتباع المذهب الشيعي الجعفري حق اختيار تطبيق أحكامه عليهم جاء معدلاً لقانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل و اصبح جزءاً منه و ليس مستقلاً عنه و ذلك حسب المادة (1) من قانون التعديل منه.

و حيث إن مدونة الاحكام الشرعية لأتباع المذهب الشيعي الجعفري التي وضعت و صدرت استناداً للمادة (2) من الفقرة (3/ ثانيا) منها أشارت الى مسألة الرجوع في كل ما لم يرد فيه نص الى المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي حسب المادة (335) من قانون التعديل المشار اليه, بالإضافة الى ذلك فأن المادة (336) من ذات القانون اجازت للمجلس العلمي بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى إصدار مذكرة إيضاحية للمدونة.

و بالرجوع الى النصوص المشار اليها آنفاً نجد أن ذهاب الهيئة الموسعة الموقرة الى تطبيق احكام القانون المدني لتحديد سن الرشد مذهباً غير موفق و ينطوي على مخالفة صريحة للنصوص سالفة الذكر.

و كان الأجدر بالهيئة الموسعة الموقرة تطبيق نصوص قانون الاحوال الشخصية لأنها رسمت الطريق لذلك و لم تعجز عنه و لم يشوبها نقص في موضوع الحضانة، و إعتماد ما يرسمه المجلس العلمي من معايير لتحديد سن الرشد في ذلك تاركة السلطة التقديرية لمحاكم الاحوال الشخصية في ملاحظة مدى إنطباق تلك المعايير على الاشخاص التي تختلف من شخص لآخر ومن ثم فرض رقابتها في ضوء ذلك. خصوصا ان المجلس العلمي سبق و ان قدم رأي بذلك و أوضح في العديد من النزاعات بموضوع الحضانة بأن الرشيد هو ) من يميز بين ما فيه الصلاح عن غيره ( دون التقيد بسن معينة، و بالتالي فأن موضوع سن الرشد و تحديده لم يكن بحاجة الى الذهاب الى القانون المدني و الخوض في نصوصه.

ان الهيئة الموسعة الموقرة بإرسائها هذا المبدأ أنهت حق الاختيار في الحضانة بين الابوين من أساسه و أعدمت وجوده بالوقت الذي وضعه المشرع لأسباب عديدة انسانية اخلاقية اجتماعية نفسية مراعياً بذلك كل حالة من حالات النزاع. إذ كيف يتصور لمن أكمل ثماني عشر سنة أن يكون بحاجة الى حضانة؟ و كيف يمكن تصور عدم إمكانية الشخص للاختيار مع من يشاء من أبويه و يكون بذات الوقت ) حاضناً و ليس محضوناً ( قادراً على الزواج و يصح له إبرام عقده و إنشاء أسرة و ان كانت ضمن شروط محددة.

ثم ان محكمة التمييز الموقرة لم تلتفت الى بقية نصوص القانون المدني ومنها نص المواد (98-101) منه التي أشارت الى مسألة الاذن بالتجارة للصغير الذي أكمل الخامسة عشر من العمر و حددت احكامها و شروطها. فكيف لشخص ينظر له من قبل المشرع من أنه قادر على التجارة و اعمالها و لا يمكن ان تأنس منه المحكمة رشداً في الاختيار في موضوع الحضانة.

كما ان محكمة التمييز الموقرة لم تراع الكثير من النصوص التي كانت من الممكن ان تكون أقرب لحل هذه الاشكالية. فعلى العكس من مدونة الاحكام المذكورة التي لم تحدد سن الرشد و تركت الأمر للمجلس العلمي فنجد ان قانون الاحوال الشخصية رقم 188 المعدل حدد إمكانية الرجوع للإختيار في سن الخامسة عشر و ذلك في المادة 57 / خامساً.

إن الاستثناء في منطق القانون يجب التعامل معه من منطلق قانوني و أخلاقي و اجتماعي و العمل على تطبيقه لا إقصاءه، و لما كان الأصل في الحضانة ببلوغ السابعة من العمر للمحضون للأب و الإستثناء هو التخيير فينبغي صياغة أسس ذلك التخيير لا إنهاءه يقول مونتسكيو في كتابه روح الشرائع ” ان القول بعدم وجود عدل او جور غير ما تأمر به القوانين الوضعية او تنهى عنه هو قول بعدم تساوي جميع انصاف قطر الدائرة قبل رسمها”.

ان مسألة الاجتهاد في التفسير و إرساء المبادئ من قبل محكمة التمييز في معرض النزاعات و الخصومات وإيجاد الحلول أمر تشكر عليه لا تؤثم، و لكن ذلك لا يعني ان قرارتها لا تقبل التحليل و الدراسة و المراجعة، فالسادة القضاة الافاضل في الاخير هم بشراً و جل من لا يخطئ و مراجعة المبادئ التمييزية وتصويبها اساس القضاء وغاية العدل. لذا نجد ان العدول عن هذا المبدأ و تصويبه و فق النصوص المشار اليها غاية ملحة وفقا للصلاحيات المرسومة للمحكمة التمييز الموقرة و حسب نصوص قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل.

البحث

الية وضوابط التقديم الى نقابة المحامين

صفحتنا على الفيسبوك

قناة اليوتيوب

مقر النقابة

ارقام تهمك

  • مكتب النقيب - 07721727134
  • المكتب الاعلامي - 07705721394
  • الشكاوى - 07812573968
  • قسم الصلاحية واعادة الانتماء - 07815492831

الطقس

عدد الزيارات

6806280