السياسةُ أخطرُ من أن تُترك للسياسيين”

2026/05/14

السياسةُ أخطرُ من أن تُترك للسياسيين”.

“شارل ديغول”

العراق بحاجة إلى إصلاحٍ دستوري على نهج ديغول

 

علي عبد الجبار الفاطمي

مدير المكتب الأعلامي لنقابة المحامين العراقيين


أرى أن اليوم يمرّ بارد الٱهتمام على العراقيين قبيل جلسة التصويت على منح الثقة للحكومة الجديدة، وربما جاء هذا الجليد من أمطار الخيبة التي تفرزها غيوم انتخابات تنتج الوجوه ذاتها، أو ربما وجوهًا لم نرها من الأساس.

هذا المشهد يُشبه إلى حدٍّ بعيد الأزمة التي واجهت فرنسا قبل عام ١٩٥٨، حين كانت مؤسساتها الدستورية عاجزة عن إنتاج حكومة مستقرة بفعل الانقسامات الحزبية والتجاذبات البرلمانية التي أضعفت الدولة وأربكت القرار الوطني.

آنذاك، قاد شارل ديغول تحولًا دستوريًا تاريخيًا أعاد بناء النظام السياسي الفرنسي عبر دستور جديد أُقرّ باستفتاء شعبي، وأرسى النظام شبه الرئاسي (أو المختلط) بدلًا من النظام البرلماني، وهو النظام الذي عُرف بدستور الجمهورية الخامسة.

هذا النموذج يستحق أن يُطرح بجدية في العراق، فالدستور العراقي لعام ٢٠٠٥، بصيغته الحالية، ورغم ما تضمّنه من مبادئ ديمقراطية، أفرز نظامًا برلمانيًا شديد التأثر بالتوازنات الحزبية، الأمر الذي جعل تشكيل الحكومات وإدارة الدولة رهينًا للتوافقات السياسية أكثر من كونه تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة الشعبية، وقد انعكس ذلك على استقرار السلطة التنفيذية وفاعلية القرار ومستوى الإنجاز – إن وُجد –

حاجتنا اليوم لا تقتصر على تعديل نصوص محددة في الدستور، وإنما تمتد إلى تعديل بنيوي لطبيعة النظام السياسي نفسه، عبر تعديل دستوري شامل يُعرض على الشعب في استفتاء عام، بهدف الانتقال إلى نظام شبه رئاسي يحقق توازنًا أدق بين الشرعية الشعبية والرقابة البرلمانية.

يقوم هذا النظام على انتخاب رئيس الجمهورية انتخابًا مباشرًا من الشعب، بما يمنحه تفويضًا وطنيًا واضحًا، ويجعله شريكًا فعليًا في إدارة الدولة إلى جانب رئيس مجلس الوزراء الذي يستند إلى الأغلبية البرلمانية.

وبذلك تتوزع السلطة التنفيذية بصورة متوازنة تمنع احتكار القرار بيد مرشح الكتلة الأكبر، أو بيد رئيسٍ يشبه الأخطبوط الذي يوزّع أذرعه على الأحزاب فتجرّه متى شاءت، وتحدّ في الوقت نفسه من هيمنة الأحزاب على السلطة التنفيذية.

ومن مقتضيات هذا النظام منح رئيس الجمهورية صلاحيات دستورية محددة، من بينها:

• حل مجلس النواب عند تعذر قيامه بواجباته الدستورية، والعودة إلى الشعب عبر انتخابات مبكرة.

• اقتراح التعديلات الدستورية الجوهرية كلما اقتضى التطور القانوني ذلك، وعرضها على الاستفتاء الشعبي.

• ممارسة صلاحيات تنفيذية حقيقية ضمن حدود الدستور.

واعتماد هذا النموذج من شأنه أن يعزز الاستقرار السياسي، ويعيد الاعتبار للإرادة الشعبية بوصفها المصدر الحقيقي للشرعية، ويؤسس لتوازنٍ يمنع الانفراد بالسلطة، إذ تبقى الحكومة خاضعة لرقابة البرلمان، فيما يمارس رئيس الجمهورية صلاحياته ضمن حدود الدستور بتفويض شعبي مباشر.

العراق اليوم بحاجة إلى إصلاح دستوري جذري، لا يقوم على حلول مؤقتة أو تسويات ظرفية، بل على رؤية دستورية تعيد تنظيم العلاقة بين السلطات، وتمنح الدولة قدرة أكبر على اتخاذ القرار، وتحصّن النظام الديمقراطي من الشلل والانقسام.

ولعل التجربة الفرنسية تقدم مثالًا واضحًا على أن الأزمات الكبرى تُعالج بإصلاحات دستورية جريئة تعيد بناء الدولة على أسس أكثر استقرارًا وفاعلية.

البحث

الية وضوابط التقديم الى نقابة المحامين

صفحتنا على الفيسبوك

قناة اليوتيوب

مقر النقابة

ارقام تهمك

  • مكتب النقيب - 07721727134
  • المكتب الاعلامي - 07705721394
  • الشكاوى - 07812573968
  • قسم الصلاحية واعادة الانتماء - 07815492831

الطقس

عدد الزيارات

6793034