عريضة الدعوى.. وسيلة حق أم أداة شهرة واستعراض ؟”
المحامية زهراء حسن حسين
تعد مهنة المحاماة رسالة سامية وقوامها الوقار، والمحامي هو “صوت الحق” الذي يلوذ به المظلوم لاسترداد حقه. لكننا نشهد مؤخراً ممارسات بدأت تخدش قدسية هذا الرداء الأسود؛ حيث تحولت “عريضة الدعوى” لدى البعض من وسيلة قانونية لخدمة العدالة، إلى أداة للظهور الإعلامي أو وسيلة للضغط وتكميم الأفواه.
1. القضاء محراب للعدل.. لا منصة للاستعراض.
كما أشار القاضي فائق زيدان بوضوح، نلاحظ توجهاً لدى البعض لاستغلال المحاكم لغايات “الدعاية السياسية والظهور الرقمي”. حيث يتم تقديم طعون ودعاوى يعلم مقيموها مسبقاً عدم اختصاص المحكمة بها، لكن الغاية هي “تصوير العريضة ونشرها” لكسب ود الرأي العام.
إن هذا السلوك يغرق المحاكم بقضايا واهية، ويستنزف جهد القضاة، والأهم من ذلك أنه يتسبب في تأخير حسم قضايا المواطنين البسطاء الذين ينتظرون العدالة بفارغ الصبر.
2. القانون وجد لحمايتنا.. لا لإسكاتنا
إن أخطر ما يواجهنا اليوم كحقوقيين و محاميين هو تحويل “الشكوى القضائية” إلى وسيلة ترهيب لكل من يختلف معنا في الرأي. فالدستور كفل “حرية التعبير”، والمحامي يجب أن يكون الحارس الأول لهذه الحرية، لا الأداة التي تُستخدم لتكميم الأفواه بدعاوى كيدية وملاحقات قانونية لمجرد اختلاف في وجهات النظر. فالاختلاف ظاهرة صحية، ومواجهته تكون بالحجة والبرهان لا بـ “الشكاوى الكيدية”.
3. مسؤوليتنا داخل “نقابة المحامين”
حتى نستعيد ثقة الناس بنا كـ “فرسان للحق”، يجب أن يكون لنقابتنا العريقة دور حازم في توجيه البوصلة:
المحامي “فلتر” للحق: يجب ألا ينساق المحامي خلف رغبات الموكل الكيدية، بل يرفض التوقيع على أي دعوى غرضها التشهير أو الاستعراض الإعلامي.
تفعيل لجان السلوك المهني: لمحاسبة من يسيء لهيبة المهنة ويحول “المحاماة” إلى تجارة إعلامية تفتقر للرصانة.
التمسك بجوهر القانون: بالعودة للتشدد في شرط “المصلحة القانونية المشروعة” (المادة 6 مرافعات)، لضمان أن تبقى أروقة المحاكم لمن يستحقها فعلاً.
الخلاصة: لنعد للمهنة هيبتها
إن ثقة المواطن هي رأس مالنا الحقيقي. حين يرى المجتمع المحامي إنساناً رزيناً، يدافع عن الحق بعلم وأدب جم، هنا فقط نستعيد هيبة المحاماة.
فلنجعل مذكراتنا القانونية هي التي تتحدث عنا ببراعتها أمام القاضي، لا منشوراتنا التي تبحث عن “الإعجابات”. إن المحاماة كرامة، والعدالة لا تزدهر إلا في أجواء الوقار والهدوء.