حين تصنع المنصات أبطالًا …/ المحامية زهراء حسن حسين

2026/01/13

حين تصنع المنصات أبطالًا من المجرمين، 

تحسين الجرائم بين حرية التعبير والتجريم الجنائي

 

المحامية زهراء حسن حسين


حين تتحول المنصات الرقمية إلى مسرح لتمجيد الأفعال الإجرامية، فإننا نكون أمام صورة حديثة لجريمة قديمة عاقب عليها القانون، وهي جريمة تحسين الجرائم، التي لا تحميها حرية التعبير ولا يبررها خطاب التعاطف.لم تعد الجريمة تُرتكب ثم تُدان، بل تُرتكب ثم تُعاد صياغتها على المنصات الرقمية لتظهر بوصفها بطولة أو “قصة تستحق التفاعل”. هنا لا نتحدث عن رأي شخصي، بل عن جريمة قانونية اسمها: تحسين الجرائم.لم تعد الجريمة تُرتكب في الأزقة المعتمة فقط، بل باتت تُعرض في وضح النهار على منصات التواصل الاجتماعي، مزوّدة بالموسيقى، والفلاتر، وعناوين الإثارة. الأخطر من الفعل الإجرامي نفسه هو هذا التحوّل الخطير: من جريمة يُستنكر مرتكبها إلى محتوى يُحتفى به.

إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس ارتكاب الجريمة بحد ذاته، بل تطبيعها عبر الخطاب العام، حين تتحوّل الأفعال الإجرامية إلى قصص إعجاب، ويُقدَّم مرتكبوها بوصفهم أبطالًا أو ضحايا يستحقون التعاطف لا المساءلة. هنا لا نكون أمام رأي، بل أمام هدمٍ صامت لفكرة الردع، وتشكيك مباشر بشرعية القانون ذاته.

القانون الجنائي لا يعاقب الأفكار الكامنة، لكنه يتدخل عندما تخرج الفكرة إلى العلن وتبدأ بإحداث أثر اجتماعي ضار. وهذا بالضبط ما يحصل على المنصات الرقمية، حيث يتم تحسين الجرائم عبر السخرية، الإشادة، تحويل الجناة إلى “قصص ملهمة”، أو تصويرهم كضحايا مجتمع لا كمخالفين للقانون.إن الإعجاب، والمشاركة، والتعليق، ليست أفعالًا محايدة قانونيًا كما يُعتقد. فهي تشكّل في مجموعها سلوكًا علنيًا يندرج ضمن وسائل النشر، ويخضع للتجريم متى حمل مضمونًا يمجّد فعلًا يُعد جناية أو جنحة. فالقانون لا يفرّق بين صحيفة ورقية ومنصة رقمية؛ العبرة بالأثر لا بالوسيلة، لم تُخلق حرية التعبير لتكون مظلة تُشرعن الجريمة، ولا وُجد الحق في الخصوصية ليُستغل كستار يحمي خطابًا يهدم القيم القانونية للمجتمع. فالحرية، في جوهرها، ليست فعلًا منفصلًا عن المسؤولية، بل ممارسة واعية تُقاس بآثارها قبل شعاراتها. حرية التعبير لا تُقاس بقدرتها على الصدمة، ولا بعدد المتابعين الذين تحصدهم، بل بحدودها حين تمس أمن المجتمع وسلامته الفكرية. فالرأي الذي يزيّن الجريمة أو يخفف من وطأتها الأخلاقية لا يقف عند حد التعبير الشخصي، وإنما يصنع مناخًا عامًا يبرّر العنف، ويُربك الوعي الجمعي، ويفتح الباب أمام الكراهية والانقسام والتطرف.. والتذرّع بحرية التعبير هنا ليس سوى هروب من المسؤولية. فالحرية لا تحمي خطابًا يُشجّع ضمنيًا على الجريمة، ولا تبرّر تحويل القانون إلى مادة للسخرية، ولا تمنح المشروعية لمنشورات تهدم النظام القيمي للمجتمع.ولهذا السبب لم يترك المشرّع العراقي هذا المجال دون ضبط، فجرّم في المادة (213) من قانون العقوبات كل سلوك علني يُضفي على الجريمة طابع القبول أو الاستحسان. هذا التجريم لا يستهدف الأفكار، بل يتصدى لنتائجها حين تخرج إلى العلن وتؤثر في المجتمع. فالقانون لا يحاكم النوايا، وإنما يحاسب الأفعال متى تجاوزت حدود الفرد وأصبحت خطرًا عامًا.غير أن الإشكال لا يقف عند حدود النص، بل يمتد إلى الوعي القانوني المشوَّه الذي يخلط بين حرية الرأي وحرية تبرير الجريمة. فليس كل ما يُقال يُحمى بالدستور، وليس كل خطاب يُصنَّف رأيًا لمجرد أنه قيل بصوت عالٍ أو كُتب في منشور. حين يتحول الخطاب إلى وسيلة تمجيد، يكون قد غادر مساحة الحرية ودخل نطاق التجريم.والأخطر من ذلك، أن تحسين الجرائم لا يحتاج إلى دعوة صريحة، فالإشادة، والسخرية، والتلميح، وإعادة النشر، كلها أدوات قادرة على نقل الجريمة من خانة الاستنكار إلى خانة الاعتياد. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين تتبدّل البوصلة الأخلاقية، ويصبح المجرم “ظاهرة” لا “مخالفة”.

والعلانية، في هذا الإطار، لا تُفهم بمعناها التقليدي الضيق، بل تمتد لتشمل كل سلوك يُتاح للجمهور الاطلاع عليه. فقد تتحقق العلانية بحركة، أو إشارة، أو تصرّف يتم في مكان مفتوح أو مرئي للناس، كما قد تتحقق بكلمة قيلت بصوت مرتفع، أو رسالة سُمعت عبر وسيلة تقنية، أو محتوى جرى بثه ليصل إلى من لا صلة له بصاحبه. ولا تقف العلانية عند حدود القول والفعل المباشر، بل تشمل كل وسيلة من وسائل النشر، من الصحافة والمطبوعات، إلى الكتابة والصور والمقاطع المرئية والرموز والشعارات، متى عُرضت أو وُزعت أو أُتيحت لأكثر من شخص. وفي العصر الرقمي، باتت المنصات الاجتماعية النموذج الأوضح لهذه العلانية، حيث يكفي ضغط زر واحد ليخرج المحتوى من نطاقه الشخصي إلى التداول العام.

ختامًا، إن أخطر ما تصنعه المنصات اليوم ليس سرعة النشر، بل إعادة تعريف الجريمة. ومتى سُوِّق الفعل الإجرامي على أنه رأي، أو قصة، أو حالة إنسانية خارجة عن المساءلة، نكون أمام جريمة جديدة، عنوانها: تحسين الجرائم، وأداتها الكلمة، والصورة، والتفاعل.

البحث

الية وضوابط التقديم الى نقابة المحامين

صفحتنا على الفيسبوك

قناة اليوتيوب

مقر النقابة

ارقام تهمك

  • مكتب النقيب - 07721727134
  • المكتب الاعلامي - 07705721394
  • الشكاوى - 07812573968
  • قسم الصلاحية واعادة الانتماء - 07815492831

الطقس

عدد الزيارات

5600804