الدكتور محمد خضير الانباري
في إحدى قاعاتِ المحاكم، وقفتْ امرأةٌ في الحاديةِ والتسعينَ منْ عمرها، ترتدي ثوبا طبيا خفيفا، ويداها مكبلتان، متهمة بسرقةِ دواءٍ لزوجها المريض. لمْ تكنْ مجرمةً محترفة، ولا معتديةً على المجتمع، بلْ زوجٍ عجوزٍ دفعتها الحاجةُ واليأسُ إلى تجاوزِ القانون، فحينَ سألتها المحكمةُ عنْ سببِ فعلتها، قالتْ بهدوءٍ موجع: لمْ أكنْ أملكُ خيارا آخر، فقد إختصرت هذهِ العبارةُ القصيرة، مأساةً إنسانيةً يعيشها كثيرٌ منْ الفقراءِ والمحتاجينَ حولَ العالم، فحينَ يتحولُ القانونُ منْ وسيلةٍ لتحقيقِ العدالةِ إلى أداةٍ قاسية، لا ترى إلا النصوص الجامدة، بينما تغيبُ عنهُ ظروف الإنسانِ وضعفهِ وحاجته.
هنا يبرزُ السؤالُ الأخلاقيُ والقانونيُ الكبير: هلْ تبقى العدالة، عدالة إذا خلتْ منْ الرحمة؟
إنَ القوانينَ الوضعية، وضعتْ لتنظيمِ المجتمعِ وحمايةِ الحقوق، لكنها ليستْ غايةٌ بحدِ ذاتها، بلْ وسيلةٍ لتحقيقِ العدالةِ الإنسانية، لذلك، فالقاضيَ الحكيمَ لا ينظرُ إلى الفعلِ وحده، بلْ ينظرُ إلى الدافعِ والظروفِ والنتائج، فليسَ منْ العدلِ أنْ يساويَ بينَ منْ يسرقُ بدافعِ الجشعِ والطمع، وبينَ منْ يسرقُ دواء؛ لينقذَ حياةً إنسانٌ أوْ رغيف؛ ليسدَ جوع طفل.
لقدْ سبقَ الإسلامُ القوانينَ الحديثةَ في مراعاةِ البعدِ الإنسانيِ للجريمة، فجعلُ الضروراتِ والأعذارِ والنياتِ جزءا منْ تحقيقِ العدالة. يقولُ اللهُ تعالى: ( فمنِ اضطرَ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه) سورة البقرة: 173، تؤكدُهذهِ الآيةُ، أنَ الضرورةَ قدْ ترفعُ الإثمَ والعقوبةَ عنْ الإنسانِ عندما يكونُ مدفوعا بالحاجةِ لا بالإفساد.
يروى عنْ الخليفةِ العادلِ (عمرِ بنِ الخطاب)( رض) أنهُ عطلَ حدَ السرقةِ في عامِ الرمادة، حينَ انتشرَ الجوعُ والفقرُ بينَ الناس، لأنهُ أدركَ أنَ المجتمعَ إذا عجزَ عنْ إطعامِ الفقير، فلا يحقُ لهُ أنْ يعاقبهُ على سرقةِ الطعام، وكانتْ هذهِ منْ أعظمِ صورِ تقديمِ الإنسانيةِ على التطبيقِ الجامدِ للنصوص.
أما الإمامُ (عليّ بن أبي طالب) (ع ) ، فقدْ قالَ قولته الشهيرة التي خلدها التاريخ، وأصبحتْ رمزا للعدالةِ الإسلامية: ( لوْ كانَ الفقرُ رجلاً لقتلتهُ ) ، وهيَ كلمةٌ تختصرُ إدراكه العميق أنَ كثيرا منْ الجرائمِ تولدَ منْ الحاجةِ والحرمان، لا منْ فسادِ الأخلاقِ فقط.
أما في الفكرِ القانونيِ الحديث، يؤكدُ كثيرٌ منْ فقهاءِ القانونِ، أنَ وظيفةَ القاضي ليستْ تنفيذَ النصِ بطريقةٍ آلية، بلْ تحقيقَ العدالةِ منْ خلالِ التكييفِ القانونيِ للجريمة، أيْ فهم ظروفها وملابساتها قبلَ إصدارِ الحكم، فالقاضي العادلُ لا يكتفي بقراءةِ موادِ القانون، بلْ يقرأُ الإنسانُ نفسه.
لقد شهدتْ المحاكمُ العالميةُ مواقفَ إنسانيةً مشابهة، ففي بعضِ المحاكمِ الأمريكية، خففَ قضاةُ العقوبةِ عنْ أمهاتٍ سرقنَ الطعامَ لأطفالهنَ بسببِ الفقر، بلْ إنَ قاضيا أمريكيا شهيرا دفعَ منْ مالهِ الخاصِ غرامةَ امرأةٍ عجوزٍ سرقتْ الطعام؛ لأنها كانتْ جائعة.
وفي إيطاليا أصدرتْ إحدى المحاكمِ حكما، اعتبرتْ فيهِ أنَ سرقةَ الطعامِ بدافعِ الجوعِ الشديدِ لا تعدُ جريمةً تستحقُ العقوبة، لأنَ حقَ الإنسانِ في الحياةِ يسبقُ حمايةَ الملكيةِ الخاصةِ عندَ الضرورةِ القصوى.
إنَ هذهِ الأحكامَ لا تعني إلغاءَ القانونِ أوْ تشجيعَ الفوضى، بلْ تعني أنَ العدالةَ الحقيقيةَ تقومُ على الموازنةِ بينَ النصِ القانونيِ والضميرِ الإنساني، فالقاضي الذي يطبقُ القانونَ دونَ فهمِ الظروفِ قدْ يتحولُ إلى منفذٍ جامد، بينما القاضي الحكيمُ هوَ الذي يستخدمُ سلطتهُ التقديريةَ ليمنعَ الظلم باسمِ القانون.
إنَ كبارَ السن، والأحداث، وصغارِ السن، والمرضى النفسيين، أوْ منْ يرتكبونَ جرائمَ أوْ جنحا أوْ أخطاءً بدافعِ الانفعالِ أوْ الجوعِ أوْ الحاجة، يحتاجونَ إلى معالجةٍ قانونيةٍ وإنسانيةٍ مختلفة، ولهذا منحتْ أغلب القوانينِ الحديثةِ القاضي سلطة تخفيف العقوبةِ أوْ وقف تنفيذها أوْ استبدالها بعلاجٍ أوْ رعايةٍ اجتماعية، مراعاة للحالةِ الإنسانية.
قالَ الفيلسوفُ الفرنسيُ مونتسكيو: العدالةُ المتطرفةُ قدْ تصبحُ ظلما. ” بينما يرى الفيلسوفُ أرسطو أنَ ” الإنصافَ هوَ تصحيحُ القانونِ عندما يعجزُ النصُ العامُ عنْ استيعابِ الحالاتِ الخاصة. إنَ المجتمعاتِ لا تقاسُ بقوةِ قوانينها فقط، بلْ بقدرتها على الرحمة، فحينَ تقفُ امرأةً عجوزا مكبلة؛ لأنها سرقتْ دواءً لزوجها، فإنَ السؤالَ الحقيقيَ ليس: لماذا سرقت؟ بلْ لماذا تركتْ أصلا؛ لتصلَ إلى هذهِ المرحلة؟
إنَ الإنسانيةَ ليستْ ضدَ القانون، بلْ هيَ روحةُ الحقيقية، والقاضي العظيم ليسَ منْ يحفظُ موادَ القانونِ فقط، بلْ منْ يعرفُ متى تكونُ الرحمةُ أعدلَ منْ العقوبة، ومتى يكونُ الإصلاحُ أولى منْ الانتقام.
وفي النهاية، تبقى العدالةُ الحقيقيةُ هيَ تلكَ التي تجعلُ الإنسان فوقَ النصِ الجامد، لأنَ القانونَ بلا رحمةٍ قدْ يصنعُ الخوف، لكنهُ لا يصنعُ العدالة.